ابن حزم
156
المحلى
قال أبو محمد : ويعطى من الزكاة الكثير جدا والقليل ، لاحد في ذلك ، إذ لم يوجب الحد في ذلك قرآن ولا سنة . 724 مسألة قال أبو محمد : إظهار الصدقة الفرض والتطوع من غير أن ينوى بذلك رياء حسن ، وإخفاء كل ذلك أفضل . وهو قول أصحابنا . وقال مالك : إعلان الفرض أفضل . قال أبو محمد : وهذا فرق لا برهان على صحته ، قال الله عز وجل : ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) . فان قالوا : نقيس ذلك على صلاة الفرض . قلنا : القياس كله باطل ، فان قلتم : هو حق ، فأذنوا للزكاة كما يؤذن للصلاة ! ! ومن الصلاة غير الفرض ما يعلن بها كالعيدين ، والكسوف ، وركعتي دخول المسجد ، فقيسوا صدقة التطوع على ذلك . 725 مسألة قال أبو محمد ( 1 ) : وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ، ويجبرهم السلطان على ذلك ، وإن لم تقم الزكوات بهم ، ولا في سائر أموال المسلمين بهم ، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه ، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك ، وبمسكن يكنهم من المطر ، والصيف ( 2 ) ، والشمس وعيون المارة ( 3 ) . برهان ذلك قول الله تعالى ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ) . وقال تعالى : ( وبالوالدين احسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم ) . فأوجب تعالى حق المساكين ، وابن السبيل ، وما ملكت اليمين ( 4 ) مع حق ذي القربى وافترض الاحسان إلى الأبوين ، وذي القربى ، والمساكين ، والجار ، وما ملكت اليمين ، والاحسان يقتضى كل ما ذكرنا ، ومنعه إساءة بلا شك .
--> ( 1 ) قوله ( قال أبو محمد ) زيادة من النسخة رقم ( 14 ) ( 2 ) كلمة ( الصيف ) زيادة من النسخة رقم ( 14 ) ( 3 ) من هذا ومن أمثاله في الشريعة الاسلامية يرى المنصف ان التشريع الاسلامي في الذروة العليا من الحكمة والعدل ، وليت إخواننا الذين غرتهم القوانين الوضعية وأشربتها نفوسهم يطلعون على هذه الحقائق ويتفقهونها ليروا ان دينهم جائهم بأعلى أنواع التشريع في الأرض ، تشريع يشبع القلب والروح ، ويطبق في كل مكان وكل زمان و ، ان هو الا وحى يوحى ، ولوفقه المسلمون أحكام دينهم ورجعوا إلى استنباطها من المنبع الصافي والمورد العذب - الكتاب والسنة - وعملوا بما يأمرهم به ربهم في خاصة نفسهم وفي أمورهم العامة وفي أحوال اجتماعهم - : لو عملوا هذا لكانوا سادة الأمم ، وهل قامت الثورات المخربة الهادمة ، والفتن المهلكة الا من ظلم الغنى للفقير ومن استئثاره بخير الدنيا وبجواره اخوه يموت جوعا وعريا ، والمثل كثيرة ، ولو فقه الأغنياء لعلموا ان أول ما يحفظ عليهم أموالهم اسداء المعروف للفقراء ، بل القيام نحوهم بما أوجبه الله على الأغنياء ، فليفقهوا وليعلموا ويعملوا ، فقد جاءتهم النذر ، هدانا الله جميعا . ( 4 ) قوله ( وما ملكت اليمين ) زيادة من النسخة رقم 45